محمد جمال الدين القاسمي
286
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الفساد ، الذي أعظمه الإشراك ، بالتسبيح . وسفك الدماء ، الذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم ، بتطهير النفس عن الآثام . لا تمدحا بذلك ، ولا إظهارا للمنّة ، بل بيانا للواقع . تنبيهات في وجوه فوائد من الآية الأول : دلت الآية على أن الله تعالى - في عظمته وجلاله - يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعته ، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه ، لا سيما عند الحيرة . والسؤال يكون بالمقال ، ويكون بالحال ، والتوجّه إلى الله تعالى في إفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها - كالبحث العلميّ ، والاستدلال العقليّ ، والإلهام الإلهيّ - . الثاني : إذا كان من أسرار الله تعالى ، وحكمه ، ما يخفى على الملائكة ، فنحن أولى بأن يخفى علينا ، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها ، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا . . . ! الثالث : إنّ اللّه تعالى هدى الملائكة في حيرتهم ، وأجابهم عن سؤالهم بإقامة الدليل - بعد الإرشاد - إلى الخضوع والتسليم . وذلك أنه - بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون - علّم آدم الأسماء ، ثم عرضهم على الملائكة ، كما سيأتي بيانه . الرابع : تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، عن تكذيب الناس ، ومحاجتهم في النبوة بغير برهان ، على إنكار ما أنكروا ، وبطلان ما جحدوا . فإذا كان الملأ الأعلى قد مثّلوا على أنهم يختصمون ، ويطلبون البيان والبرهان ، فيما لا يعلمون ، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين ، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين . أي فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين ، وترشد المسترشدين ، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين . وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها . وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب ، وكونه لا ريب فيه ، والرسول ، وكونه يبلغ وحي الله تعالى ، ويهدي به عباده ، واختلاف الناس فيها . ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها . مع كون الجميع في سياق موضوع واحد . - كذا في تفسير مفتي مصر - .